الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
374
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
والإيراد على غيره من الإشكال ويمكن الاستناد لكل من الوجوه المذكورة ببعض الوجوه كأن يستند للوجه الأول بأصالة حمل اللفظ على الحقيقة مهما أمكن وللثاني بأن المقصود بالإفادة من المستثنى منه بحسب الحقيقة إنما هو الباقي خاصة دون المجموع والاستثناء قرينة عليه فيكون اللفظ مستعملا فيه كسائر المجازات المتضمنة إلى قرائنها والثالث بأن التبادر أمارة الحقيقة فيكون المجموع حقيقة في ذلك والوجوه المذكورة بعضها فاسد قطعا وبعضها محل نظر وسنبين لك حقيقة الحال إن شاء الله وكيف كان فقد أورد على الوجه الأول تارة بأن البناء على ذلك يستلزم أن لا يكون الاستثناء من النفي إثباتا ومن الإثبات نفيا على من قال ليس له على شيء إلا خمسة شيء أصلا فإن إخراج المستثنى قبل تعلق الحكم بالمستثنى منه يجعل المستثنى في حكم المسكوت عنه وهو خلاف التحقيق بل الثاني منه فاسد عند الكل على ما قيل وتارة بأنه لو أشير إلى عشرة مجتمعة مشخصة كأن يقال هذه العشرة إلا ثلاثة منها لم يتصور هناك إخراج إلا عن الحكم إذ المفروض عدم إخراج أشخاص الثلاثة من جملة العشرة فلا يمكن إلا أن يكون المراد إخراجها عنها بحسب الحكم فلا بد من القول بإخراجها عن الحكم المتعلق بالمجموع إذ لا حكم هناك إلا الإسناد الموجود في الكلام وهو متعلق بالمجموع وأخرى بلزوم اللغو في كلام الحكيم فإن إرادة الاستغراق من اللغة حينئذ مع إسناد الحكم إليه مما لا فائدة فيه بل يندرج في الأغلاط إذ الغرض من وضع الألفاظ تركيب معانيها وتفهيم المعاني التركيبية الحاصلة منها وبيان الأحكام المتعلقة بمفاهيم تلك الألفاظ المنضمة بعضها إلى البعض فإذا لم يرد في الكلام إسناد إلى مفهوم العام ولا إسناده إلى شيء إسنادا تامّا أو ناقصا لم يكن هناك فائدة في إرادتها وكان إخراجا مما هو ملحوظ الواضع في وضع الألفاظ كذا ذكره بعض الأفاضل وأنت خبير بوهن الكل أما الأول فلأن من الواضح أنه ليس المراد بإخراج المستثنى عن المستثنى منه إخراجه من جملتها بحسب الخارج عن كونه مدلولا له ضرورة حصول الدلالة بعد ثبوت الوضع ولا إخراجه عن المراد من اللفظ فإنه غير معقول على سبيل الحقيقة إلا أن يراد الإخراج عن ظاهر اللفظ ليكون قرينة على كون المراد هو الباقي لكنه مخالف لصريح ما بني عليه الجواب المذكور فالمراد إخراجه عنه من حيث كونه متعلق الحكم فإن ظاهر تعليق الحكم على العام شموله لجميع جزئياته فيكون إخراجا لبعض مدلوله من كونه متعلقا للحكم فيختص الحكم بالباقي وهذا الجواب كما ترى مما لا ربط له بما ذهب إليه أبو جعفر أو يصح مع القول به لكن دلالة الاستثناء على مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه وعدمها فإن دلالته على مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه بحسب الواقع وعدمها مبنية على كون الإخراج بملاحظة ما حكم به المتكلم من الإثبات والنفي إذ بملاحظة الواقع أعني بالمطابقة تلك النسبة الإيقاعية فإن كان بملاحظة الثاني كما هو المشهور ويدل عليه ظاهر اللفظ تعين الأول وإن كان بملاحظة الأول تعين ما ذهب إليه أبو حنيفة وهذا مما لا ربط له بكون الإسناد قبل الإخراج أو بعده نعم لو توهم كون الإخراج عن معناه الأفرادي من دون ملاحظة الإسناد والحكم أصلا يوجه ذلك إلا أنه تقديم فاسد لا مجال له في المقام كما عرفت وأما الثاني فشائعة فلابتنائه على كون مراد المجيب بإخراج المستثنى عن المستثنى منه هو إخراجه عن جملته بحسب الخارج وهو واضح الفساد وحمل كلام المجيب عليه غريب وأما الثالث فبأنه إن أريد من كون المقصود من وضع الألفاظ إفادة معانيها التركيبية أن يكون تلك المعاني الحاصلة من ملاحظة المفردات هي المقصودة بالإفادة حتى إنها إذا لم تكن مقصودة كذلك صار الكلام غلطا خارجا عن القانون اللغوي فهو أحسن شيء كيف وفيه سد لباب المجاز في المركبات إذ من البين أن من يقول تقدم رجلا وتؤخر أخرى عند بيان كونه مرادا في الأمر يراد بالألفاظ المذكورة موضوعها اللغوي مع كون المقصود بالإفادة هو ما يشابه معناها التركيبي أعني التردد في الأمر وإن أريد به كونه أن المعنى التركيبي مقصودا سواء كان مقصودا بالذات أو بالتبع فهذا القدر حاصل في المقام ضرورة تعلق الإسناد بالكل صورة للانتقال إلى إسناده إلى البعض بعد إخراج المستثنى فإن قلت على ما ذكرت يكون هناك إسنادان أحدهما بالنظر إلى الظاهر متعلق بالكل والآخر بالنظر إلى الواقع وما هو المقصود بالأصالة وهو متعلق بالباقي فلا يوافق ما ذكرت من كون الإسناد واحدا حاصلا بعد الإخراج فهو مع عدم انطباقه على الجواب المذكور غير مفيد في دفع التناقض لحصول التدافع إذن بين الإسنادين المذكورين قلت الجواب المذكور يحتمل في بادي الرأي وجوها أحدها أن يكون المقصود إخراج المستثنى عن المستثنى منه بالنظر إلى معناه الأفرادي مع قطع النظر عن التركيب وملاحظة الإسناد رأسا فيلاحظ تركيبه مع الغير والإسناد المتعلق به بعد الإخراج فلا إسناد هناك إلا إلى الباقي وقد عرفت وهن هذا الوجه وفساده إذ لا يعقل الإخراج عن المعنى الأفرادي سوى أن يراد به الإخراج عن ظاهر مدلوله الوضعي ليفيد كون المقصود به هو الباقي كما ذكره في الجواب الآتي فيكون قرينة على كون المستثنى منه مستعملا في خصوص الباقي ولا ربط له بالجواب المذكور ثانيها أن يكون المقصود إخراج المستثنى عن المستثنى منه من حيث تركيبه ومن جهة تعلق الحكم به فإنه لما أريد من اللفظ تمام معناه كان قضية ذلك لولا الاستثناء إسناد الحكم إلى تمامه فيكون ورود الاستثناء عليه مخرجا للمستثنى عن المراد من حيث تعلق الحكم به نظرا إلى ما يقتضيه الظاهر وحينئذ فيكون الإخراج بالنسبة إلى ظاهر اللفظ من حيث كونه مرادا من غير أن يكون ذلك الظاهر مرادا فيكون ذلك هو الكاشف عن عدم إرادته من حيث التركيب والدليل على تعلق الإسناد بالباقي دون الجميع وكان هذا هو المراد مما عده بعض الفضلاء جوابا رابعا في المقام من أن المستثنى منه من حيث الأفراد واللفظ خارج عنه من حيث التركيب والحكم إذ الاستثناء بيان تغيير وكل كلام التحق آخره التغيير توقف حكم صدره على آخره فلا تناقض ويمكن تنزيله على الوجه الآتي أيضا ويرد على الوجه المذكور أنه لا مجال للقول بتأخر الإسناد إلى مجيء ورود الإسناد وذلك لوضوح إهمال القائل فيه قبل ورود الكاشف عن حصول الإسناد سيما إذا كان هناك فصل بينه وبين الاستثناء ثالثها أن يقال بحصول الإسناد الصورة إلى الكل والحكم عليه كذلك من جهة إحضار ذلك في ذهن السامع ليتبعه بإخراج البعض فيتبين بذلك ما هو المقصود بالإفادة من تلك العبارة فكما أنه يريد من المستثنى منه ما وضع له فكذا يريد الاستناد إليه كذلك على حسب الصناعة وقانون العربية إذ لا وجه للإسناد إلى مدلول اللفظ إلا مع استعمال اللفظ فيه ويكون ذلك حينئذ جميع مدلوله لاندراج المجاز في المطابقة إلا أنه ليس الإسناد المذكور مقصودا بالإفادة وإنما أتي به للتوصل إلى غيره والإسناد المقصود في المقام